
لا زلتُ، حتى الآن، أتعثر بدهشتي كلما مررتُ أمام بيتٍ في هذا الحيّ الكندي الهادئ، وأبصرُ بابه مفتوحاً على مصراعيه ليلَ نهار. أبوابهم تُفتح كأنها صدور، لا تخشى الريح ولا العابرين. في الليالي الهادئة، حين يصمت الحيّ وتغفو الأشجار على نسيم عليل، أرى الأبواب مشرعة كأنها تثق بالليل، تقول له: مُـرَّ، فليس فينا ما نُخفيه.
خلال أيامي الأولى هنا، بدا الأمر خرافة لا تُعاش إلا في الأحلام. كنت أمرّ وأتساءل: كيف ينام أصحاب البيوت مطمئنين، وأبوابهم تتنفس هواء الشارع؟ كيف لا تمتدّ يدٌ خفية إلى كرسيٍّ في الحديقة، أو دراجةٍ مستندة إلى السياج، أو طاولةٍ تنتظر فطور الصباح؟ كنتُ أرى المشهد بعينيّ القادمتين من مكانٍ آخر تعلمتُ فيه أن الباب ليس خشباً فقط، بل حارسا لا ينام.
الآن، لم أعد أندهش كما كنت أفعل في البداية. صرتُ أفهم أن الأمان ليس غياب الخطر، بل حضور الاحترام. أنهم لا يتركون أبوابهم مفتوحة وأغراضهم بلا حماية، لأنهم يعيشون في مدينة فاضلة، بل لأن القانون قاسٍ على الذي تسول له نفسه اقتحام عتبات الآخرين أو أخذ ما لا يخصه. صرت أدرك أنهم اتفقوا ذات زمن– بصمتٍ عميق – على أن الطمأنينة عملٌ جماعي، يصنعه الجميع أو يضيع من الجميع.




