
أخرج من البيت وفي جيبي بطاقتان صغيرتان تتربصان بي وتترقبان خطوتي التالية. إحداهما تقول لي بثقةٍ هادئة: “أنا حقيقتك الساطعة.” والأخرى تبتسم بخبثٍ لطيف: “أنا وعدك المؤجَّل.”
من لا يعيش في كندا، قد لا يفهم معنى أن أتعامل ببطاقتين بنكيتين متناقضتين أوازن بهما بين ما أريده أنا وما يُراد مني أيضاً. الأولى تُسمى Debit Card، وهي مرآة لما أملكه فعلًا؛ المال الذي تعبتُ لأجله، العرق الذي تحوّل إلى أرقامٍ في حسابي البنكي. كلّ مرة أستعملها، أُنفق من مالي الحقيقي، من حدودي التي لا يمكن تجاوزها.
أما الثانية، فتسمى Credit Card. هي أخطر قليلًا، وأغوى كثيرا. تعِدني بما لم أملكه بعد. تتيح لي أن أستمتع اليوم دون أن أنسى غدًا، كأنها تقول لي: “خذ ما تريد الآن، وسدّد لاحقًا.” المال الذي في داخلها ليس هديةً من البنك، بل دَيناً مؤقّتاً من نفسي إلى نفسي، عليّ أن أؤديه في نهاية الشهر بواسطة الـ Debit Card.
في البداية، لم أفهم هذا النظام. ظننت أن المال هو المال، وأن القدرة على الدفع تكفي. لكن في كندا، ليس المهم كم تملك الآن، بل كم ستدفع غدا مقابل ما اشتريته اليوم قَرضاً. الحياة هنا تقيس الناس بمعيارٍ جديد، اسمه الـ Credit Score. رقم صغير يُختزل فيه تاريخك المالي، يعكس للجميع، إن كنتَ جديرًا بثقة النظام أم لا. به يُقاس كل شيء: هل تستحق أن تستأجر بيتًا؟ أن تقتني سيارة بالتقسيط؟ أن تحصل على قرضٍ استثماري؟ حتى بعض الوظائف قد تهمس للمرشح الخفيّ: “ما درجتك في الكريديت سكور؟”
أفكر بكل هذا وأنا أمضي نحو هدفي هذا اليوم؛ أريد أن أشتري هاتفا جديدا قادرا على تحمل برودة الشتاء القادم. كان بإمكاني أن أدفع نقدًا من بطاقة الديبيت، لكنني وجدتني هذه المرة مرغما على استعمال البطاقة الأخرى ولسان حالي يقول: “ابدأ ببناء تاريخك المالي هنا. استخدم الكريديت.. وكن مسؤولًا.”
أدخل المتجر، أختار الهاتف المناسب، وأمدّ البطاقة نحو جهاز الدفع. الثواني التي تسبق اللمعان الأخضر على الشاشة تبدو أطول من اللازم. ثم ما تلبث أن تظهر الكلمة المنتظرة: Approved. أبتسم ساخراً. أنا الآن لم أقتنِ هاتفاً جديدًا فحسب، بل اشتريت ثقةً صغيرة أواجه بها النظام المالي في كندا.
أعود إلى البيت والهاتف في جيبي يترنّح بين البطاقتين، أشعر أنني أنجزت أكثر من مجرد صفقة شراء. في هذا البلد، المصداقية المالية تُكتسب على مهل. تُبنى دفعةً بعد أخرى، كدرجاتٍ في سلّم طويل جدّاً. هنا، أنت لا تقتني الأشياء فحسب، بل تشتري صورتك في عيون النظام أيضا. كلّ رقمٍ في حسابك البنكي ليس مجرد مال، بل سيرة ذاتية مكتوبة بلغة الثقة تارة، والريبة تارة أخرى؛ لغة مختلفة قليلا، لكنني سأتعود عليها حتما.




