
أسير مذهولًا كمن يفلت هاربا من ذاكرته إلى لوحةٍ انطباعية تتنفّس دهشة الألوان. أرفع بصري فإذا بالأشجار تمدُّ أغصانها لتتلقَّفني وتحضنني بكل ما فيها من جمال. على الأرض تتساقط الأوراق ببطءٍ أنيق، مزدهية بألوانٍ تشبه خواتم الجدّات في أعراس الأطلس: ذهبٌ يحرسه صدأ العُمْر، ونُحاسٌ يشبه ذاكرة أدماها التعب. تحت قدمي سجادٌ من الأوراق يهمس في كل خطوة: “لا تُسرِع، فالجمال يموت حين نعبره دون أن نراه”.
وسط هذا الفيض من الألوان، أَعبُر، فأرى رجالا ونساء يعانقون الأشجار. يُقبّلون أيديها المخضبة بالحناء، ويستلهمون منها الصمود قبل مجيء الصقيع. على الأرصفة يمشون، لِكلٍّ كلبُه يَتبعه، وأنا بينهم قلبي يُتعبني من فرط هذا الجمال. أخطو على الأرض فأنزعج لصوت خشخشة الأوراق وهي تنكسر تحت قدميّ. أشفق عليها وأتساءل: لماذا يُداسُ الضعيف دوماً وتُكسَرُ ظهره وهو جميل؟
في خريف كندا، أتذكّر جبال المغرب ووديانه كما عشتُها ذات طفولة هناك. كانت الفصول أربعةً قبل أن يغتال الجفاف نِصفها الجميل. مات الربيع وضاع الخريف وفي حضنهما كنتُ أنعم دون أن أدري، وألاحق الدهشة دون إذنٍ من أحد. في الخريف الملون هنا، أستعيد طيف الصبا، وأستنشق رائحة الأرض إذ تعانقها قطرة المطر الأولى، فأسمع في داخلي صدى مواقد الطين هناك، وأرى دخان الحطب يصعد إلى السماء مثل دعاءٍ أمي. أنظر خلفي فأرى أشعة الشمس تتسلّل بين الأغصان كما كانت تفعل بين سقوف القرى المنسية، باحثةً عن خدّ طفلٍ نائم لتربّت على بؤسه.
الخريف هنا ليس فصلاً عاديا أبدا؛ هو إشارة عبور، ودرس في فلسفة الوداع. أوراق الأشجار جميلة عند ولادتها، لكنها أجمل على عتبة النهاية وهي تتلألأ في ضوء الشمس الخافت قبل الرحيل. في كندا، تموت الأوراق وهي في كامل زينتها، وتتهاوى برقيٍّ يأبى الانكسار، وكأنها تهمس للجميع: “حتى في الفناء هناك كبرياء”. الخريف هنا يعلّمني كيف يصير الموت جميلا حد الإبهار، وكيف يتحول الذبول إلى رقصة ألوان صامتة، إلى لوحة تترك القلب مشدودًا بين الحزن والدهشة.
بين الخريف الرمادي لطفولتي هناك في جبال الأطلس المتوسط، والخريف الأنيق هنا في كندا، أقف لأشهدكم أنني عبدٌ للجمال. أن حواسي الخمس استيقظت من سباتها؛ فإذا بي أرى الأحمر، وأسمع الأصفر، وألمس البرتقالي، وأشمّ الأخضر، وأتذوق الألوان كلها دفعة واحدة فلا أشبع. أمشي منتشيا ضد العالم كله. حتى “درويش” الذي لا شيء يعجبه، ما عدت متفقا معه. هنا، كل شيء يعجبني. هنا، الطبيعة لا تشيخ. وكذب من شَـبَّـهَ نهاية العمر بالخريف، وهو بدايتُه !




