
أصلُ إلى كندا، فيفاجئني أن أول كلمة تُهدى لي ليست عن العمل ولا عن الفرص، بل عن التطوّع. يقولونها لي بثقةٍ لا جدال فيها، كأنّ الحياة هنا تبدأ بمنح الوقت بدل جَمْعِه، وباليد الممدودة عوض اليد السائلة. أبتسم، وأصمت لأنني أعرف التطوّع، لكنّني هناك، عَهِدتُه بطعمٍ مغربيّ يشبه لمعةَ ضوء، بلا مقدمات ولا شروط.
أمشي نحو مؤسستي الجديدة، وأحمل داخلي مزيجاً من الفضولٍ والخفة. في المكتب، يقدّمون لي عقدًا يشبه كتابًا صغيرًا، صفحاته أكثر ممّا تتوقعه روحي المتعجّلة. على الورق، كلّ شيء واضح، مبوّب، ومُحكَم. ما لي وما عليّ. ثم يُطلب مني الخضوع لفحص أمني يفتّش في ذاكرتي قبل أن يسمح لقدماي بالدخول. أبتسم مرّة أخرى إذ أدرك أن فعل الخير هنا يحتاج إلى تصريحٍ بالثقة.
أتذكّر أن التطوع في المغرب لا يتطلب في الغالب فحصاً أمنيا ولا بطاقة تعريف. يكفي أن ينبض قلبك للحظة، فتمدّ يدك لمن يحتاجك. هو عفويّ، يشبه خبز الأمّ حين يخرج من الفرن دون موعد. هناك، تساعد لأنك تشعر، ولأنّ الناس يلتقطون الخير حيثما وُجد. لكنّه ليس مقنّنًا؛ لا شهادات، ولا تزكيات. حتى التدريب الذي يشبه التطوع والذي يُفترض أن يصنع خبرةً، كان في تجاربي مجرّد عبورٍ في الظلّ: كثيرون يُنسَون في المكاتب، وآخرون يُستغلّون بخبث جارح.
أدخل مؤسستي الكندية، فأُستقبل بحفاوة. يسألونني عن وقتي، فأقدّم بسخاء أكثر ممّا يتوقّعون. أظنّهم سيغتبطون، لكنّهم يبتسمون ويقولون لي بهدوءٍ حاسم: “هون عليك.. ساعتان في اليوم تكفي، ثلاث مرات في الأسبوع. لا تمنح كلّك. اترك لنفسك ما يلزمها.” يستوقفني هذا اللطف الغريب. في مكانٍ آخر، كانوا سيأخذون وقتي كلّه دون أن يتركوا لي نافذة. هنا، يحمونني من نفسي، من اندفاعي، ومن رغبتي في إثبات وجودي سريعًا.
أعمل بينهم، فأكتشف أنّ التطوّع ليس “معروفًا” أؤدّيه، بل مساحة تُصقل فيها روحي. يمنحونني قيمةً قبل أن أقدّم شيئًا، ويكتبون لي شهادةً تستطيع فتح أبوابٍ كثيرة. أمشي في الممرّ بعد نهاية الدوام وأشعر أنّني لستُ متطوّعا فقط؛ أنا ضيف يريدون له أن يبقى، وأن ينمو.
أخرج في نهاية اليوم، والبرد يسبقني إلى الباب. أشعر أنّ شيئًا في داخلي يتغير، كأنّ ساعاتي القليلة هناك رتّبت فوضاي، وطرّزت يومي بخيطٍ من معنى. أدرك أنّ الإنسان لا يحقق ذاته حين يأخذ، بل حين يعطي. وأنّ الانتماء لا يأتي بالصخب الكبير، بل بخطوةٍ صغيرة نحو الآخر. أتساءل، وأنا أمضي في الشارع الهادئ: أليس الوقت أغلى ما نملك، ورغم ذلك نهديه للفراغ عوض أن نضعه في يد من يحتاجه ليتغيّر، وربما ليغيّرنا معه؟




