
أستيقظ فأجد العالمَ يرتدي لونًا جديدًا، كأنّ الليلَ قرّر أن يفاجئ المدينة بثوب العرائس. أقف مذهولًا أمام هذا التحوّل المدهش، وأشعر أنّ السماء تمنحني درسًا مباغتًا في الجمال. أفتح النافذة فأرى البياض يحييني بصمتٍ مترف، كضيفٍ شفّاف يأتي فجأةً ليعيد ترتيب مزاجي. أخرج، ألامسه بالخطوِ في حديقتي، وأكتشف أنّ قدمايَ تصنعان تحته موسيقى خفيفة لا يسمعها إلا القادرة قلوبهم على الدهشة.
على عتبة البيت يحيطني الثلج. يمدّ قدميه ليدخل، فأغلق الباب في وجهه. أبتسم له معتذرا، وأتحاشى جعل هذا الحلم الأبيض حقيقة مبلّلة فوق سجّادي الرمادي. أحبه لكنني أريده أن يبقى شاعرًا خارج الحدود، جميلًا من بعيد. أباغته قبل أن يجتاحني فأخطو نحوه مُدركاً أن الاقتراب المفرط يُحرق الروح، وأن الانغماس في الشيء يمحو بريقه. ألامسه بحذر وأتركه هناك، في المسافة، صامتًا لكنه حاضر، كي تظل البرودة حكاية في قلبي، لا لعنة على يدي.
الثلج في كندا ليس كالمغرب. هنا يتصرّف بشخصية العاشق الذي لا يخطئ موعده. أما هناك، فقد كان يظهر بخجلٍ موسمي، ويرحل حتى قبل أن نحفظ اسمه. أخطو على الثلج هنا، فأسترجع أيّام الصبا عندما كانت الفصول أربعةً. أتذكّر ثلوج الأطلس المتوسّط وخنيفرة، وأرى طفولتي الغابرة تجري حافية خلف حلم أبيض نادر، أجمعه بكفّي وأخشى أن يذوب قبل أن أعود إلى البيت.
اليوم، يهطل الثلج أمام عينيّ، باردًا وثابتًا كما لو أنه يملك سرّ الحياة والموت معاً. يشعل ذكرياتي بما ظننت أنه قد مات، ويهمس لي بلا صوت: “كبرتَ.. لكنّ الطفل الذي فيك لا يزال يقفز فرحًا كلما رآني.” أتجاهل صراحته، وأمشي فوق البياض كأنني أسير على قلبٍ مفتوح، أتنفس الهواء القارس، وأدرك أنّ برودة الثلج تُعلّمني دفءَ الحياة، وأن نهاية اللون قد تكون بداية لحكاية جديدة، أكثر صفاءً وتألقًا.




