
في طفولتي، كان الشتاء حلما سرياليا يوقظ في الروح دفئا بحجم العالم كله. كنتُ طفلًا صغيرًا، يهرب من قسوة البرد إلى حضن نار تشتعل على استحياء في زاوية غرفة بسيطة. لم تكن النار مجرد دفء؛ بل حكاية تنساب ببطء، ترويها الجمرات الحمراء والزرقاء، ويُوشوشها اللهب الراقص كأنه سرّ من أسرار الحياة .
في صباحاتنا الباردة تلك، كان الشاي مُهما، لكن الخبز هو البداية والنهاية. ذاك الذي تصنعه أمي بيديها الطاهرتين، بلمسات تشبه الصلاة، وبخميرة جمعت من الخير ما تفرق في غيرها. كنت أضع الخبز على الجمر، أنتظر أن يتوهّج قشره حتى يصل إلى أقصى درجات القرمشة. وبينما تتطاير رائحته الزكية، كنت أشعر وكأني على عتبة الفردوس. لحظتَها، لم أكن بحاجة إلى زيت أو عسل؛ كان الخبز الحافي كافيًا ليملأني، كأني ألتهم شيئًا من الحب الذي صنعته أمي.
عندما المغادرة صوب المدرسة، كان البرد يصفع وجهي الصغير، بينما يتسلل المطر خفية تحت ملابسي. كان الطين يُثقل خطواتي، لكنني أمشي كبطل صغير في ملحمة شتوية. كانت الطريق تعج بأطفال مثلي، بعضهم يختبئ تحت مظلات صغيرة، وبعضهم يضع حقيبته على رأسه مقاتلا البرد بوسائله البسيطة. كنا نضحك ونغني رغم كل شيء، لأننا نحمل قلوبًا لم تعرف بعد غدر الحياة وقساوتها.
عندما الوصول إلى المدرسة، كنت أشعر كمن عبر نهرًا هائجًا ووصل إلى اليابسة. أجلس في مقعدي المهترئ، يداي ترتجفان، ورأسي المبلل يروي قصص المطر على كتبي. هناك، كان المعلم يقف بهيبته وهدوئه، يرتدي جلبابه الثقيل، يشرح الدرس وكأن برد العالم لا يصل إليه. كنا نصغي له ونخط الحروف والكلمات على دفاترنا، لكن عيوننا تظل مشدودة إلى النوافذ، حيث المطر يواصل حكاياته.
في المساء، كان البيت ملاذنا. أعود إلى أمي التي تنزع عني ملابسي المبللة، تمسح رأسي بقطعة قماش دافئة، ثم تقودني إلى الموقد الذي كان قلب البيت كله. حوله كنا نلتف كعائلة سعيدة، نثرثر ونصمت، نضحك ونختلس النظر إلى اللهب المتوهج. أحاديثنا مهما بدت عابرة، كانت تملأ الفراغ، تزين السكون، وتضيف دفئا آخر إلى قلوبنا وأجسادنا.
اليوم، ضاع كل شيء. صار الشتاء مجرد فصل آخر نواجهه بالأزرار، بالأجهزة الإلكترونية، وبالعزل الذي فصلنا حتى عن أنفسنا. خسرنا النار التي كانت تشتعل في أرواحنا قبل مواقد بيوتنا. أضعنا الحكايات التي كانت تملأ فراغات الليل الطويلِ الطويل. كبرنا، هرمنا، ولم تتبق لنا سوى الذكريات وحفنةٌ من الحنين. الآن أدرك أن البرد الذي كان يلف قريتي هناك، لم يكن مجرد برد؛ كان دفئا لم أعرفه إلا بالفَقد.




