
الصفر… رقم يَهابُــهُ الناس. يرونه فراغاً، ونقصاً. يخجلون من الارتباط به، ويتجنبونه كما يتجنب أحدهم مرآته حين لا يريد مواجهة نفسه. لكنني، على عكسهم، أحبّه، يسحرني هدوءه، فراغه، وحياده الماكر. في زخم الأرقام الصاخبة، يبدو الصفر أكثرها صدقاً. لا يدّعي شيئاً، لا يَعِدُ بشيء، ومع ذلك يحمل في صمته بدايةَ كل شيء.
الصفر لا يُمنِّيكَ بالمجد، لكنه يمنحك حريتك. هو النقطة التي تقف عندها، لتمسح ما مضى، وتنطلق عاريا صوب المجهول. أن تبدأ من الصفر يعني أن تُجرد نفسك من كل ما عَلِق بك من أعوامك الماضية، أن تغسل ذاكرتك من الغبار الذي خلّفه الركض خلف الآخرين، وأن تَخرج إلى الحياة بخفّة من تعلّم ألا يحمل شيئاً معه، سوى قلبَه.
في الصفر، علمتني الحياة أن أرى طوقاً للنجاة، كنافذة يتسلل منها هواء جديد. من هناك، يصير الخُبز أكثر دفئاً، والصبح أكثر وضوحاً، ولا يحتاج الفرح إلى سبب كي يكون. بالصفر، تكتشف أن الكثرة ليست ثراءً، بل عبئاً، وأن القليل حين يأتي من صفاء، يغنيك عن العالم كله.
أن تبدأ من الصفر لا يعني أنك سقطت، بل أنك قررت النجاة بطريقة مختلفة. بانطلاقتك من الصفر، تمحو الأصواتَ التي كانت تحكم عليك. تصمت تماماً كي تسمع صوتك أنت، لا صدى الآخرين فيك. لحظتَها، يصبح النجاح مجرد انسجام مع روحك، والفشل مجرّد درب آخر نحو النضج.
لكن الصفر، رغم جماله، يصبح اختباراً عسيراً حين لا تكون وحدك. الصفر صعب عندما يدخل في المعادلة قلب آخر لا يفهم الصمت كما تفهمه أنت، ولا يرى في الفراغ خلاصاً بل تهديداً. عندها يتحول الصفر إلى قيد يكبلك ويسائلك بلا كلل: هل يمكن أن نحيا خفيفين معاً؟ أن نبدأ من العدم دون أن نخاف من أن نفقد بعضنا في الطريق؟
البدء من الصفر ليس هروباً، بل شجاعة نادرة. أن تبدأ من الصفر، يعني أن تقف على حافة العالم وتقول: “ها أنا ذا هنا… بلا عُقدةٍ، بلا قيد، وبلا ضجيج.” ثم تبتسم، لأنك تعرف أن الصفر، مهما بدا ساكناً، هو الصخب الذي به تكتب قصة ولادتك من جديد !
#محمد_لشهب




