
هناك، على عتبة البياض، وقفتُ إنسانًا صغيرًا أمام عظمةٍ تَهدِر منذ آلاف السنين. شلالات نياجارا التي رسمتها الطبيعة الأولى قبل أن تُسجَّل على خرائط المستكشفين في أواخر القرن السابع عشر، كانت تتراقص أمامي كغجرية يصعب ترويضها. في مواجهة صخبها، شعرتُ أن جسدي الهشّ يشبه شمعة في وجه عاصفة، ومع ذلك لم أشعر بالرهبة، بل بما يشبه الطمأنينة. كنت كمن يقف في حضرة حكمةٍ أوسع من فهمي، وأكبر من قلقي.
كل سَيلٍ يهوي من علٍ يذكّرني بالفرق بيننا: الشلال يتدفق بثباتٍ وجرأة، وأنا ما زلت أتعثر في دروب الحياة. هو لا يخشى الانحدار لأنه يدري أن السقوط ليس انسحاباً بل انسيابًا، أما أنا فأحرص على المكوث واقفاً في وجه الأعاصير كي لا يُقال عني: “فلان” سقط. تياراته العاتية تكتب حكاية القوة، وأنا لا أملك سوى دفتر صغير يحضن أحلامي: بيتٌ يطل على الضوء، صباحاتٌ بلا استعجال، وقهوةٌ تُحلّيها ضحكة من القلب.
تاريخ نياجارا الطويل يقف شامخًا أمام ماضيَّ القصير. الشلال الذي عبَره الرحالة البلجيكي «لويس هينيبان» سنة 1679، ظل كما هو، بينما تغيرتُ أنا عشرات المرات في بضع سنين. إليه جئتُ من طرقٍ وَعرة وذاكرةٍ محدودة، أبحث عن فسحة لأتنفس، فإذا به يفتح لي حضنه الكبير دون سؤال، كأمٍ لا تهتم أين كنتَ، بل تفرح لأنك أخيراً جئتَ.
في القرن التاسع عشر، حين وقف الرسام الأمريكي «فريدريك إدوين تشرش» أمام شلالات نياجارا، رسمها كأنها معجزة لا تَصفها الكلمات. لم يرَ فيها مجرد ماء يتهاوى من علٍ، بل قوةً لكونٍ يفتح قلبه أمام الجميع. اليوم، بعد أكثر من قرنٍ ونصف، أقف كما وقف فريديريك، لا بريشةٍ ولا بلوحة، بل بقلبٍ تملأه الدهشة. هو كان يرسمها على القماش، وأنا أرسمها على روحي.
شلالات نياجارا في مقاطعة أونتاريو الكندية تُدَوّن مجدها في الهواء إذن، وأنا القادم من المغرب، أكتب بقطراتها حلمي. هي تملأ الأرض بصوتها، وأنا أملؤها بصمتي. ومع ذلك، نحن متقابلان دون صدام؛ وجهان لعملة واحدة. قوتها لا تهددني، وضعفي لا يقلل منها. هي تدري كيف تحتضن بشموخها هشاشتي، وأنا أعرف كيف أرسم بتواضعي جمالَها !




