
أمشي في الحي كمن يقتحم قصيدة عنوانها الخريف. أتنفّس صمت الشوارع، ألمس برودة الأرصفة، وأصغي إلى همس مدينة ترتدي ثوب احتفالها بهدوء. المحلات موصدة كأبوابٍ هجرتها الحياة، والإدارات غارقة في سبات عطلة رسمية اسمها “عيد الشكر”. كل شيء ساكن هنا والآن، إلا قلوب الناس.
أراقب الوجوه من حولي وهي تبتسم بصفاء يشبه ضوء الفجر. أتقابل مع العابرين فيخاطبونني بنفس النغمة: Happy Thanksgiving ! تتسلل إليّ كلماتهم كدفء غير متوقع، كيدٍ تربّت على كتف غربتي. صحيح أنني لا أعرف طقوس هذا العيد كما يعرفونها هم، لكنني أشعر بها تتسلل إلى داخلي كما تتسلل نسمة خريفية إلى نافذة مفتوحة؛ لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تُغيّر قليلا في الجدران، وكثيراً في القلب.
أُبطئ خطاي. الأشجار تُصفّق بأوراقها الصفراء، والأضواء تنحني قليلاً لتمنح المساء نعومةً إضافية. البيوت تلوذ بصمتها الخافت كأنها تحرس شيئاً ثميناً في الداخل. على عتبات الأبواب حبات قرعٍ يوحي لونها البرتقالي بدفء المواسم. وفي قلب هذا السكون، يعلو صوت الامتنان، هادئاً، عميقاً، كأنّ الأرض نفسها تشكر السماء على ما وهبت وما أخذت.
عيد الشكر هنا ليس مجرد عطلة رسمية؛ هو تقليد عميق الجذور. يقال إنه بدأ حين رفع المستكشفون الأوروبيون أياديهم إلى السماء شكراً لنجاتهم من البحر، وتحول مع الوقت إلى مناسبة وطنية يحتفل فيها الكنديون بالوفرة، بالحياة، وبالعائلة. المناسبة تُخلد في ثاني يوم اثنين من أكتوبر، وتُزيَّن خلالها الموائد بالديك الرومي، والبطاطس المهروسة، وصلصة التوت البري، وفطيرة اليقطين وغيرها.
غريبا عن هذه الطقوس، أقف على الرصيف كمن يشاهد فيلماً لا يلعب فيه دور البطولة، ومع ذلك يشعر أنه جزء من المشهد. أبتسم لهم حين يُلقون عليَّ كلماتهم الدافئة، وأجيبهم في داخلي بصلاة صغيرة، ولسان حالي يقول: لا أحتاج إلى مائدة عامرة لأشعر بهذا العيد، يكفي أن قلبي يَسعُ كل هذا الضوء.
يمرّ عيد الشكر بي كما تمرّ الريح على وجه أرهقه الحَرّ، يترك في داخلي شيئاً يشبه الحنين، وشيئاً آخر يشبه السلام. يؤكد ما كنت أؤمن بها دوما؛ أنّ الفرح لا ديانة له، وأنّ الامتنان لا جنسية له. عيد الشكر في كندا، مثل كثير من الأعياد في العالم، لا يُعلّمنا كيف نأكل معاً، بل كيف نكون مُمتنين لبعضنا، وكيف نرى في الآخَر مرآةً لسلامٍ لا يتحقّق إلا حين نُحبّ من خالفَنا، كما نُحبّ من شابهنا.




