
ترعرعتُ بين جبال الأطلس المتوسط، فتعلّمت باكراً أن الهوية تُرضع مع حليب الأم وتُمضغ مع تراب الأرض. أمي الأمازيغية؛ هي وطني الأول، ولغتي الأولى، وهويتي التي لا تقبل التبدل. من فمها تخرج الأمازيغية مثل صلاةٍ قديمة، لا تحتاج ترجمة لتبلغ هدفها.
في طفولتي، لم نكن عرباً، ولم نشعر يوماً أننا ناقصون كي نبحث عن صفة أخرى نرتديها. كنا مغاربة ! ببساطة الأشياء الجميلة التي لا تشرح نفسها. الناس هناك لا تهمهم بيانات الهوية، حسبُهم أنهم يكتبون حياتهم في الأرض، في الصبر، وفي الكرامة.
ثم كبرتُ، واكتشفت أن بيننا من يريد لهذا البلد أن يكون أقلّ مما هو. من يُصرّ على أن يختصر المغرب في العروبة، وكأن التاريخ صفحة واحدة، وكأن الجذور تُمحى بمجرد إنكارها. رأيت الآلاف يدافعون عن العربية بعصبية وينتقصون من أصلهم الحقيقي، ومعدنهم الذي لا يطاله الصدأ مهما لطخته الشعارات الزائفة.
تامغرابيت، كما أفهمها، تبتسم في وجه المغالطين بثقة. تعرف أن الأصل أمازيغي، وأن هذا ليس عيباً ولا تهديداً. تُدرك أن العربية مكوّنٌ من مكونات هذه الأرض، لغةُ معنى وروح ودين، لكنها ليست سيّدة البيت، ولا يحقّ لها أن تطرد أهله. البيت المغربي شاسع، يسع لغاته كلها، شرط ألا يفرض عليه البعض ثوباً لا يشبهنا كثيراً.
نحن مغاربة، ولسنا عرباً. مغاربة بهوية لا تخجل من جذورها، ولا تتبرّأ من تاريخها، ولا تحتاج أن تكون نسخة عن أحد. مغاربة لأننا متعدّدون، ولأن التعدّد هو أجمل ما فينا. وكل محاولة لفرض هوية واحدة تظل محاولة لإفقار هذا الوطن عوض حمايته.
في مطلغ السنة الأمازيغية الجديدة 2976، أحتفل بطفولتي، بأمي، وبالجبال التي علّمتني الانتماء الحقيقي ! كل سنة أمازيغية والمغرب أكثر صدقاً مع نفسه، أكثر جمالاً بتنوّعه، وأكثر وفاءً لتامغرابيت التي تسكننا جميعاً.




