
أمضي، لا وجهة لخطوي سوى رغبة خفية في الإصغاء إلى ما يقوله المكان حين لا يقول شيئًا. أصادف شيخًا منتصب القامة يمشي، ترافقه كلابُه الصغيرة كأنها نوتات موسيقية على لحن الصباح. امرأة في الأربعينات تسير بلباسها الرياضي آمنة مطمئنة، كأنها تعرف أن السلام يبدأ من بطء الخطوة. وشابٌّ يركض بخفةٍ كمن يطارِد فكرةً لا يريدها أن تضيع.
أراقبهم بدهشة الغريب. أرى الأرض تفترش أوراق الخريف كسجاد أنيق، وأنتبه للطريق تعبق برائحة الخشب، وأنظر للسناجب تراقب المارّين كأنها تحفظ إيقاعهم في ذاكرتها، ثم ما ألبث أن أدرك أن المشي عند الكنديين ليس ضرورة، بل ثقافة تشكلت مع الزمن، وتحولت إلى أسلوب حياة. هنا، يمشي الناس ليل نهار لأن الأرض تدعوهم لذلك، ولأن الخطوة فعلُ حبٍّ للحياة.
على أرض أخرى، كنت أتحرك لأسبق خوفي. أرصفتي ضيقة كأنفاسٍ مقطوعة، والوقت يعدو أسرع من الناس. كنت أركض لأصل، لألحق بشيءٍ لا أعرفه. كنت أمشي بإيقاع مختلف في بيئة لا تشجع على التمهّل. الخطوات مشغولة بالنجاة، والناس يلهثون خلف لقمة الخبز، كأن الحياة كلها سباق. هناك، كان المشي ترفًا فقط؛ رفاهية لمن يملك المال أو صبر العالم كله.
وأنا أمشي بين الكنديين هنا والآن، أشعر أنني أعبر من فوضاي القديمة إلى سكينةٍ جديدة. أنني دون أن أدري، أشفى من سرعة الحياة التي تركتها خلفي. أمضي، فأبتسم إذ أرى جارتي العجوز تمشي ببطءٍ متكئة على كلبها، فأفكّر أن الحيّ كله يتحرّك على نغمةٍ واحدة؛ نغمة العيش بخطوات مطمئنة وسط بيئة تسحرك، وتحرص على ألا تخيفك أبداً.
أعود إلى البيت وفي أنفي عبقٌ من الطريق، أخلع معطفي براحة خفية، وأفتح النافذة على حديقتي الصغيرة، فأرى الناس ما زالوا يمشون بخطًى هادئة، ودون استعجال. أهمس لنفسي: ربما هذا هو السرّ ! أن تمشي لا لتصل، بل لتستمتع. أن يكون الأمان حارسك في الطريق، وأن يكون البطء طريقتك الوحيدة لتسمع كلبك، أو قلبك، وهو يمشي معك !




