
أغادر البيت لقضاء بعض الأغراض من السوبر ماركت القريب، فإذا بالطريق يتحوّل إلى مشهد من فيلم رعب طويل لا ينتهي. بيوت جميلة بحدائق زاهية تتبدّل ملامحها فجأة، كأنها خضعت لعملية تجميل على يد الموت نفسه. على الأبواب والنوافذ تتدلّى جماجم بيضاء تبتسم بسخرية، وعلى العشب الأخضر تمتد مقابر صغيرة وأشلاء بشرية ملوّثة بالدماء.
كل شارع في أونتاريو يبدو هذه الأيام كصفحةٍ مفتوحة من رواية دراكولا للإيرلندي برام ستوكر. هنا، يستعد الكنديون لليلة الحادي والثلاثين من أكتوبر، بالتنافس في إخافة بعضهم بعضًا، كأنهم يتدرّبون على طقوس القيامة. في الأسواق الممتازة، تتكاثر الألوان والخيالات؛ أقنعة وهياكل عظمية مخيفة، أطراف بشرية دامية، وجماجم من كل شكلٍ ولون. بين هذه المشاهد، يُباع الرعب بالتقسيط مغلفًا بورقٍ لامع تحت شعار “استعدّوا للهالوين”.
داخل السوبر ماركت، أتنقّل بين الممرات المتشابهة، أضحك سرًا من إصرار الكنديين على تحويل الخوف إلى موسم اقتصادي مُربح، ثم أقرر، للحظةٍ، أن أشارك في اللعبة. أمدّ يدي لجمجمة اصطناعية، أعانقها بحُمق، ثم تُلتَقَط لي صورة واحدة تجسدني بوجهين اثنين؛ وجهٌ حيٌّ لا يُرهبه الموت، وآخر ميّتٌ لا يعبأ بالحياة !
يذكّرني هذا كله بـ”بوجلود” في المغرب، حين كان الرعبُ طقسًا فطريًا يُمارَس بحميمية القرى بعيدا عن ترف المدن. هناك، كنا نرتدي جلد الخروف بعد العيد، نسير بين الأزقة لننشر الرهبة والفرح معًا. الأطفال يركضون ويصرخون، بينما يمتزج الضحك بالخوف كأنهما عملة واحدة. في كندا، الرعبُ يُباع في العلب، وفي المغرب، كنا نصنعه من اللاشيء.
أَخرج من السوبر ماركت محمّلًا ببعض الأغراض وشيء من الحنين. في طريق العودة، أتساءل: ما الذي يدفع الإنسان إلى الاحتفال بالخوف؟ فوراً أجيب: ربما لأنه في عمقه يخشى الموت، ويحاول ترويض هذا الخوف والتحكم فيه بطقوس تجمع بين الترفيه والمتعة. وأنا، المهاجر المغربي الذي يقف بين الهالوين وبوجلود، أبتسم ساخراً، لأنني أدري أن الكثيرين من بني جلدتي، يتبرؤون من الأقنعة المعروضة لهذا الاحتفال، ويضعون على وجوههم مِثلها للاحتيال، وما أكثرهم !




