
تقف الحافلة الأنيقة في قلب المدينة، كسفينة سلام وسط صخب العالم. ثلاثة يسبقونني إليها. يصعدون بوقار يشبه الصلاة، دون عجل ودون أنانية أيضاً. أَلحق بهم بخطى هادئة لم أتعلمها في بلدي، حيث الصعودُ معركةٌ صغيرة تفضح فينا شراهة البقاء. هنا، الهدوء فضيلة يومية، والاحترام ممارسة لا تحتاج إلى تفكير.
أمُد يدي ببطاقتي الإلكترونية. أضعها على الجهاز المعلق في مقدمة الحافلة، فتتعثر وكأنها تتلعثم بلغتها الجديدة. ألتفت إلى السائق مبتسماً باعتذار يشبه اعترافاً بالذنب. أبحث في جيبي عن ورقة نقدية، أخرجها بخجلِ فقير يحاول إصلاح خطئه بالمال. يرفع السائق يده مبتسما. يقطع عليّ محاولة التبرير، يعلو صوته بالإنجليزية:
“It’s okay, please get in”.
قالها بعفوية، لكنني سمعتها كصك غفران.
أجلس بين الركاب وعلى وجوههم فسيفساء الأمم: هذا يشبه الشرق، وتلك ملامحها أوروبية. ذاك أسمر كتراب الجنوب، وتلك صفراء كشمس أسيوية. رغم اختلافهم، يتقاسمون الصمت نفسه، القانون نفسه، والنظام نفسه الذي يوزع عليهم الطمأنينة بعدل. تمر عشرون دقيقة كنسمة خفيفة، أصل بعدها إلى محطتي. يوقف السائق الحافلة وقوفا كاملاً لأجلي. أنزل مثقلاً بتفكير لم يبدأ معي هنا، لكنه استيقظ في داخلي من جديد.
أفكر؛ كيف أنني في أيام قليلة في كندا، لم أر رجلاً واحداً يراقب التذاكر، ولا شرطيا خفيا، ولا عيناً متربصة! وأتساءل إن كان القانون في بلدي، يلهث خلفنا لأننا اعتدنا أن نراوغ الحقيقة، أو ربما لأننا في المغرب نولد متهمين إلى أن نبرّئ أنفسنا، بينما هنا، يولدون أبرياء حتى تَثبت عليهم التهمة.
أمضي لحالي وأتساءل؛ أكان سائقٌ في المغرب ليسمح لي بالعبور بلا تذكرة لأن بطاقة الأداء تعطلت؟ ربما نعم، وربما لا. وحتى إن لم يفعل، فليس لأنه شرير، ولا لأنه لئيم، بل لأنه على الأرجح سيظنني مخادعاً. ففي “أرضنا السعيدة” ، تعلمنا أن نخاف الآخر ونرتاب منه دون سبب. و في هذه الأرض البعيدة، يتنفس الناس طمأنينة تكفي لأن يصدقوا أن الغريب الذي صعد الحافلة مجرد راكب، لا محتال.




