
في حديقةٍ غَنّاء بضواحي تورونتو، أجلس على مقعدٍ خشبيٍّ كأنّني أستريح من عناء الانتماء. كلّ شيءٍ حولي يزهو بسلامٍ لا يشبه “السلام” الذي ينادون به هناك. هنا، الشجر لا يتباهى بطوله، والماء لا يتفاخر بصفائه، وبينهما بطّة تسبح عارية لا يهمها من حولها، ولسان حالها يقول: الحرية فعل يُمارَس لا شعار يُنادى به.
على يميني يجلس رجلٌ وامرأةٌ آسيويّان يتحدثان لغةً لا أفهمها، لكنها تتسلل إلى أذني كأنّها ترنيمة قديمة بالكاد أتذكرها. على بعد خطوات، شابة هندية بلباس “الصاري” الملوّن، تصنع من وقفتها مشهدًا من فيلمٍ سعيدٍ لا نهاية له. وخلف ظهري، يصلني صوتٌ عربيٌّ يخاطب رفيقه: «يا أخي، هاي الحديقة تجنن!» ألتفتُ، فأرى قسمات أعرفها دون أن أكون قد التقيت بها يومًا.
أُمعن النظر من حولي فأرى وجوهاً متباينة تتعايش دون أن تتقاتل، وألسنةً مختلفة تتجاور دون أن تتناحر. هنا في أونتاريو، لا أحد يسأل الآخر بأيّ لغةٍ يتكلم، ولا أحد يسخر من لهجةٍ غريبة أو لكنة متعثرة. اللغة مجرّد جسرٍ يعبره الناس للوصول إلى بعضهم، لا سوراً يحتمون خلفه ليُطلقوا الرصاص على المختلفين منهم.
فجأة أتذكّر المغرب الذي أحبّه رغم وجعه. هناك، تتحول اللغة من وسيلة للحوار إلى معركة دائمة. بعضهم يدافع عن العربية كمن يدافع عن آخر قلاع المجد، ويرفع رايتها ضدّ كلّ ما عداها. وبعضهم يدافع عن الفرنسية بفخرٍ لا يقلّ غرورًا، كأنّ لسانهم المفتوح على باريس يجعلهم أكثر رُقيًّا من أبناء جلدتهم، بينما يختار آخرون الصراخ باسم الأمازيغ معتبرين أنهم أقليةً في وطنهم، لا يُذْكَرون إلا في المهرجانات أو في نشرات الأخبار حين يُراد تزيين صورة “التنوع”.
أما أنا، فأتأمل هذا الخليط من الضجيج اللغوي في بلدي، وأقابله بموسيقى هذا المكان المفعم بالتنوع الخلاّق. هنا، لا أحد يحتجّ على لسان الآخر. لا أحد يخاف أن يُتَّهَم بعدم الانتماء إلى الوطن لأنه يتحدث بلغة غير رسمية. الناس يعيشون بلغاتهم ولهجاتهم كما هي، ولا يتقاتلون باسمها. يكفي أن تُفهِم الآخر قصدك أو تَفهمه، لتستمر الحكاية.
في هذه الحديقة الكندية البعيدة جدا، أتأمل الحياة بعينين منبهرتين كما توقعتُ قبلاً، فلا أرى نفسي غريباً كما كنت في بلدي، بل أشعر أنني أخيراً، إنسان وجد أرضاً تشبه تلك التي حَلُم بها دومًا؛ أرض لا تتناطح فيها اللغات، ولا تَتناحر عليها الإثنيات، ولا يُنفى منها المختلِف !




