
في خمس دقائق فقط، نضحك من فيديو ساخر، ثم نتألم لمشهد مأساوي، ثم يسيل لعابنا أمام أكلة تُعرض أمامنا بإضاءة مثالية، ثم نمرّ، دون أن نعطي أي شعور حقه. هكذا صرنا اليوم، وهكذا تغيرنا دون أن ندرك !
دخلت شبكات التواصل الاجتماعي حياتنا، فغيّرت عاداتنا وأعادت تشكيل أذواقنا، ثم أفسدتها بهدوء. لم يحدث الأمر فجأة لكنه أتى بالتقسيط: ثانية هنا، دقيقة هناك، وبينهما صرنا لا نحتمل الاكتمال.
مع فيديوهات تيك توك، وريـلز، وشورتس، وكل ما صُمّم ليُشاهَد واقفًا، أضحى كل شيء قصيرًا: الفيديو، الفكرة، الأغنية، وحتى الإحساس. نبدأ المشاهدة ولا ننهيها. نمر مستعجلين فنضغط على زر “التالي” قبل أن يصل المعنى.
لم يعد لدينا وقت لبرنامج يستغرق نصف ساعة، ولا صدر لأغنية تحتاج أربع دقائق كي تقول وجعها كاملًا. حتى الأغاني الجميلة على قلتها، نختصرها في ثوانٍ، ثم نمرّ كأننا نخشى أن نمكث، كأن البقاء تهمة.
كيف لإنسان اليوم أن يكون متوازنًا، وقلبه يُسحَب كل لحظة إلى محتوى مختلف ومتناقض؟ كيف لروح أن تستقر، وهي تُستعمل كزرّ للتفاعل والاستهلاك؟ وكيف لنا أن نكون سادة أنفسنا ونحن عبيد للشاشات؟ صرنا نعيش مشاعر فارغة:
ضحك بلا فرح، حزن بلا تأمل، تعاطف بلا أثر، وشهوة بلا جوع حقيقي.
لم تعد المشكلة في رداءة المحتوى ووفرته فحسب، بل في أننا تعلّمنا الاستهلاك بدل التذوّق، والسرعة بدل العمق، والكمّ بدل المعنى. صرنا كمن فقد القدرة على الجلوس مع شعور واحد حتى نهايته. لا نُكمل فكرة، لا ننهي أغنية، لا نموت حزنًا، ولا حتى حبًّا. ألهذا نشعر بالفراغ رغم الامتلاء، وبالتعب رغم قلة الجهد، وبالضياع رغم كثرة الاتجاهات؟ ربما.




