
أخرج هذا الصباح وفي جيبي ذاكرة مدنٍ دافئة، يعرف فيها الناس متى يبدأ الشتاء ومتى ينتهي، ولا يخونهم الطقس في منتصف الطريق. أتذكّر الرباط، حين كانت السماء تمدنا بإشارات واضحة قبل البرد، فأقارنها بتورونتو التي تتأرجح بين الألوان والدرجات. البارحة 5-، واليوم 5+، وكأن الفصول تتقلّب بلا اعتبار لقلق الوافدين.
أمشي في الشارع وأشعر أنني وحدي أستغرب هذا التحوّل السريع. أرى الكنديين يخلعون معاطفهم، يستقبلون شمسًا خجولة كما لو كانت صديقة غائبة عادت للتو. صدور مكشوفة، أذرع عارية، وابتسامات مطمئنة، بينما أرتجف أنا تحت طبقتين من الثياب، أحاول إقناع جسدي بأن هذه الدرجات ليست دافئة كما يظنّون، وأتعجّب من قدرتهم على تجاهل البرد تارة ومصادقته تارة أخرى.
أضحك حين أرى طفلًا يركض بقميص خفيف، وكأن يوليوز يمر من تحت قدميه، بينما الأرض كانت مغطّاة بالجليد قبل ساعات فقط. أرى امرأة تجلس نصف لابسة في الحديقة القريبة، فيذكّرني الموقف بليالي الصيف في تمارة، حين يخرج الجيران بالكراسي في أيديهم والبسمة على وجوههم لاستقبال نسمة هواء تخفف الحر.
أتأمّل الكنديين فأدرك أنّهم لا ينتظرون الطقس ليَحنو، بل يربّون روحًا قادرة على تحويل البرد إلى حدث عاديّ، والغيمة الثقيلة إلى دعوة للخروج. خمس درجات هنا تُعتبر “طقسًا ممتازًا”، بينما في المغرب قد تستدعي معطفًا وصوفًا. أحاول فهم هذا المزاج الجديد: ربما ليس البرد ما يُتعبني، بل المقارنة المستمرّة بين عالمين.
أعود إلى نفسي، فأبتسم. ربما عليّ أن أتعلم العيش بين السالب والموجب في الحرارة كما يعيشون: بخفّة، بلا مبالاة جميلة، وبفضول الباحث عن الدفء داخل قلبه قبل جسده. لعلّي يومًا، حين ترتفع الحرارة قليلًا بعد ليلة باردة، أفتح معطفي بدلًا من شدّه.. وأمشي كمن يعترف لنفسه أنّ الهجرة ليست فقط تغيير المكان، بل تغيير طريقة الإحساس بالفصول.




