
بمبلغٍ تجاوز مئة ألف دولار، بيعت موزةٌ مصيرها الذبول بعد أيام. قد يرى البعض ذلك دليلا على فقدان العالم لصوابه، لكن الفكرة قرّرت أن تتقدّم على الشيء، وأن تُعلن انتصارها باقتدار. بهذه الغرابة، دخل عمل الفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان، سنة 2019، قاعات الفن بوصفه أكثر من عرضٍ بصري: كان سؤالاً معلقا على جدار، واستفهاما في ذهن كل من يتأمله.
في قلب العملٍ الذي يحمل اسم Comedian، تُطل موزة عادية، مثبّتة بشريط لاصق على جدار أبيض. مشهد يبدو عابراً، لكنه يعرف كيف يزرع الشكّ. ضحكة أولى تنفلت من المتلقّي، ثم صمت قصير، ثم ارتباك يقول: متى يصبح هذا الشيء فناً؟ وأين المعنى الذي يمنحه حقّ الوجود؟
التسمية المختصرة هي مفتاح قراءة هذا العمل الفني الفريد. “كوميديان” لا تدَّعي الإضحاك بقدر ما تستدعي السخرية الذكية، فتُخضع الذوق والقيمة والمعنى لاختبارٍ قاسٍ، بلا فخاخ لغويّة ولا أقنعة فلسفيّة.
الموزة المعلقة تعرف مصيرها جيّداً. ستُستبدل حين تذبل، وربما تنتهي في فم أحدهم. هشاشتها ليست عيباً، بل خطاباً كاملاً. وجودها المؤقّت يذكّرنا أن بعض الفنون تُقيم في اللحظة، وتراهن على الأثر عوض البقاء، وتترك بَصْمتها في السؤال بدل المادة.
في هذا العمل، يواجه كاتيلان المتلقّي بالصدمة. هو لا يستهين بالفن، بقدر ما يسخر من اليقين والتصنيفات السريعة، ومن الطمأنينة التي تمنحها الإجابات الجاهزة. هنا، يضعنا خارج توقّعاتنا، ويتركنا معلّقين بين الإعجاب والرفض، في مساحة رماديّة لا تحبّها العقول المستعجلة.
“كوميديان” وعوض أن يَعِد بالخلود، يعترف بالزوال منذ اللحظة الأولى، ويتخلّى عن وهم العظمة باكراً. بهذا العمل، ندرك أن القيمة لا تسكن المادة، وأن الفكرة، حين تكون صادقة بما يكفي، تظل معلقة في العقل بدل الجدران !




